محمد جمال الدين القاسمي
99
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ولا تباشروهن . فيكون كناية عن الجماع . قال حماد بن سلمة البصريّ : يعني النكاح . وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس : الهجر هو أن لا يجامعها ، ويضاجعها على فراشها ، ويوليها ظهره . وكذا قال غير واحد . وزاد آخرون منهم السدّي والضحاك وعكرمة وابن عباس ( في رواية ) : ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها . وقيل : المضاجع المبايت . أي لا تبايتوهن . وفي السنن والمسند « 1 » عن معاوية بن حيدة القشيريّ أنه قال : يا رسول اللّه : ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال . أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت . ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح . ولا تهجر إلا في البيت وَاضْرِبُوهُنَّ إن لم ينجع ما فعلتم من العظمة والهجران ، ضربا غير مبرح ، أي شديد ولا شاق . كما ثبت في صحيح مسلم « 2 » عن جابر عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع : « واتقوا الله في النساء . فإنهن عوان عندكم . ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه . فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرّح » . قال الفقهاء : هو أن لا يجرحها ولا يكسر لها عظما ولا يؤثر شينا ويجتنب الوجه لأنه مجمع المحاسن . ويكون مفرّقا على بدنها . ولا يوالي به في موضع واحد لئلا يعظم ضرره . ومنهم من قال : ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف . أو بيده ! لا بسوط ولا عصا . قال عطاء : ضرب بالسواك . قال الرازيّ : وبالجملة ، فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه . والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ . ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع . ثم ترقى منه إلى الضرب . وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف ، وجب الاكتفاء به ، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق . وهذه طريقة من قال : حكم هذه الآية مشروع على الترتيب . فإن ظاهر اللفظ ، وإن دل على الجمع ، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب . قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس : يهجرها في المضجع . فإن أقبلت وإلا فقد أذن اللّه لك أن تضربها ضربا غير مبرح . ولا تكسر لها عظما . فإن أقبلت وإلا فقد أحل اللّه لك منها الفدية . وقال آخرون : هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز . أما عند تحققه فلا بأس بالجمع بين الكل .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : النكاح ، 41 - باب حق المرأة على زوجها ، حديث 2142 . والمسند في 5 / 5 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الحج ، 19 - باب حجة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، حديث 147 .